الذهبي
128
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
الحجّاج العراق سألني عن أشياء من العلم فوجدني بها عارفا ، فجعلني عريفا على الشّعبيّين ومنكبا [ ( 1 ) ] على جميع همدان ، وفرض لي ، فلم أزل عنده بأشرف منزلة ، حتى كان ابن الأشعث ، فأتاني قرّاء أهل الكوفة ، وقالوا : يا أبا عمرو إنّك زعيم القرّاء ، فلم يزالوا حتى خرجت معهم ، فقمت بين الصّفّين أذكر الحجّاج وأعيبه بأشياء ، فبلغني أنّ الحجّاج قال : ألا تعجبون من هذا الشّعبيّ الخبيث ، أما لئن أمكنني اللَّه منه لأجعلنّ الدنيا عليه أضيق من مسك [ ( 2 ) ] حمل [ ( 3 ) ] ، قال : فما لبثنا أن هزمنا ، فجئت إلى بيتي وأغلقت عليّ فمكثت تسعة أشهر ، فندب النّاس لخراسان ، فقال قتيبة بن مسلم : أنا لها ، فولّاه خراسان ، ونادى مناديه : من لحق بقتيبة فهو آمن ، فاشترى مولى لي حمارا وزوّدني ، فخرجت ، فكنت في العسكر ، فلم أزل معه حتى أتينا فرغانة [ ( 4 ) ] ، فجلس ذات يوم وقد سرّ [ ( 5 ) ] ، فنظرت إليه فقلت : أيّها الأمير ، عندي علم ، قال : ومن أنت ؟ قلت : أعيذك ، لا تسأل عن ذلك ، فعرف أنّي ممّن يختفي [ ( 6 ) ] ، فدعا بكتاب وقال : اكتب نسخة ، قلت : لست تحتاج إلى ذلك ، فجعلت أملّ عليه ، وهو ينظر ، حتى فرغ من كتاب الفتح ، قال : فحملني على بغلة ، وبعث إليّ بسرق [ ( 7 ) ] من حرير ، وكنت عنده في أحسن منزلة ، فإنّي ليلة أتعشّى معه ، إذا أنا برسول الحجّاج بكتاب فيه : إذا نظرت في كتابي هذا ، فإنّ صاحب كتابك الشّعبيّ ، فإن فاتك قطعت يدك على رجلك وعزلتك ، قال : فالتفت إليّ وقال : ما عرفتك قبل السّاعة ، فاذهب حيث شئت
--> [ ( 1 ) ] قال الزبيدي في تاج العروس : ومن المجاز : المنكب عريف القوم أو عونهم . وقال الليث : رأس العرفاء . [ ( 2 ) ] المسك : الجلد . [ ( 3 ) ] هكذا في الأصل ، وفي تاريخ دمشق ، وهي « جمل » في سير أعلام النبلاء 4 / 304 . [ ( 4 ) ] بالفتح ثم السكون وغين معجمة . مدينة وكورة واسعة بما وراء النهر متاخمة لبلاد تركستان . . على يمين القاصد لبلاد الترك . ( معجم البلدان 4 / 253 ) . [ ( 5 ) ] في تاريخ دمشق 209 وسير أعلام 4 / 305 « برق » . [ ( 6 ) ] في تاريخ دمشق والسير « يخفي نفسه » . [ ( 7 ) ] سرق : جمع سرقة ، وهي القطعة من جيّد الحرير ( لسان العرب - مادة : سرق ) .